الكاتب احمد شيبان والبراعة في صناعة الدهشة والتشويق

Whatsapp

خاص صور برس – زينب طالب

هو صاحب التناقضات الجميلة هادئ الطباع ونشيط في عمله. تنظر إليه فيُخيّل إليك أنّه قليل الكلام ولكنه يفاجئك عند أول سؤال بسرعة بديهته ولباقته في الكلام حتى لو حدثته وهو في ذروة انشغاله. أحمد الذي عاش لسنوات في بيروت بعيدًا عن عائلته بسبب الدراسة لم يغب أفرادها عن باله ووجدانه وكتاباته أيضًا، إذ تجدهم حاضرين في قصصه، و هم بجانبه عند كل توقيع ومناسبة. الاّ أن أبرز التناقضات أنّ أحمد المولع بالمطالعة والكتابة يميل الى عالم الأرقام الذي نتج عنه بكلوريوس في مجال الهندسة الميكانيكية وماجستير في الهندسة الصناعية.


هكذا عرفناه ،أمّا هو فيعرّف عن نفسه بأنه “عربي من لبنان وعهداوي” أي مشجع لنادي العهد الرياضي. بجد ودعابة يذكر هذا في مقدمة نتاجه الفردي الأول”قناع واحد لا يكفي” الذي يضم ثمانية عشر قصة قصيرة. وهو النتاج الثاني بعد مشاركته في المجموعة القصصية “بندقية تشيكوف” بأربعة قصص هي: “تائه في فان رقم 4″، “كنا”، “ثمة أشياء لا تنسى”، “مربع”.
الكاتب الصاعد استطاع أن يحجز مكانه سريعًا في عالم الكتابة القصصية. ولم يكتفِ بها حيث وقّع مؤخّرًا روايته “كندة بعلبك” الصادرة عن دار المجمع الإبداعي.
لمن لا يعرف أحمد شخصيًا فقد فاته التعرّف الى شخصية فذّة وعلى مستوى عال من الثقافة والوعي رغم أنّ عمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين.
ومن لم يقرأ لأحمد فقد أضاع فرصة الحصول على وجبة ثقافية نادرة وأحاسيس صادقة ومفاجآت.

ميزة أحمد أنه يكتب لأكثر من هدف فكما يقول “كلنا بحاجة لكي نحوّل المشاعر التي عشناها الى منتج نشارك به المتلقي، ومن أجل أن نعيد للكتابة والقراءة أهميتها لتكون متاحة للجميع، وكذلك لأننا نقدّم فنًّا نعبّر فيه عما نريد”.
وميزته أيضًا أنه يكتب بإتقان فقد تدرب لسنوات على الكتابة الابداعية في صفوف دار المجمع الإبداعي. ليثبت سريعًا أنه يكتب باحترافية فهو يجيد أسلوبًا خاصًا في الكتابة قلة يتجرأون على استخدامه وهو نمط النهايات غير المتوقعة أو ال Twist ومن خلاله يقود القارئ الى رسم نهايات معينة ثم يفاجئه بشيء آخر.
لا مجال للملل عند القراءة له ، وفي الواقع لا مجال للتوقف عن القراءة أساساً اذا ما وقع خيارك على نتاج لأحمد. وأجمل ما في الأمر أنه يتعذر عليك توقع الآتي من الأحداث تمامًا أو التمييز بين المواقف الحقيقية التي عاشها الكاتب في يومياته وتلك التي تخيلها في بعض القصص.

بهذا الأسلوب لفت أحمد إنتباه أستاذه عبد الرحمن جاسم فكان في طليعة صفوف ورشة الكتابة الإبداعية الجيل الأول. تتلمذ على يديه، كسب ثقته وصداقته وخلال مدة قصيرة أُوكلت إليه مهمّة متابعة الطلاب وأحيانًا تدريبهم . كما شهد لبراعته بقوله “بلا أقنعة: عن أحمد شيبان مبدعًا” .
نعم أحمد مبدع في صناعة الدهشة، يبدع حينما يتحدث عن الحب وأحاديث الشرفات مع “بنت الجيران” يمازحها بعبارته “حدا بيشرب بيبسي ع الصبح” وبوجع يعاتبها “بيتكم صار بيتي”.


بسهولة تتأثر وأنت تقرأ هذه القصص العاطفية وكأنك أمام حبيبين حقيقيين. وتتأثر كذلك وهو يسرد ما يمكن أن يكون ذكريات عائلية وعندها سيغمرك الحنين حتمًا وربما ستدمع عيناك. ولكنه سيجعل قلبك يخفق بلا توقف وأنت تطارد الكلمات لتعرف القادم من الأحداث حين يحكي عن مغامرات الأخوة والأصدقاء وأتذكر هنا عبارة صادمة مرت أمامي في إحدى قصصه “بالمناسبة صديقي هذا أنا قتلته”.
أمّا براعة أحمد الفضلى تبرز في القصص الخيالية ومنها” الشريك الصناعي” و”البلد أقفل” و”وجوه” ضمن مجموعته القصصية “قناع واحد لا يكفي” وفيها يسافر بك الكاتب الى عالم آخر لا يخطر على بال. والأهم أنّ بعض السيناريوهات التي تتوقعها عبرها تحققت بشكل أو بآخر. ولن أوضح هنا أكثر حتى لا أفسد متعة القراءة لاحقًا.


اليوم في إصداره الأخير “كندة بعلبك” يعدنا الكاتب أحمد شيبان برواية شيقة وربما تكون سندًا تاريخيًا للأجيال المقبلة ليتعرفوا الى دهاليز مدينة بعلبك وتاريخها “الذي لم تذكره كتب التاريخ المدرسية” يقول الكاتب، “وتتطرق الى تحرير بعلبك عام 1926، وبطولات أبنائها الذين حاربوا الاحتلال وأجبروه على الانسحاب بالقوة.”
الرواية التي تدور أحداثها في مدينة بعلبك اللبنانية عام 1934، تجمع بين أحداث تاريخية حقيقية وأخرى خيالية من نسج خيال الكاتب. وينحدر أبطالها من قبيلة كندة، وهي قبيلة الشاعر امرؤ القيس، الحاضر في بعض مشاهدها.
“كندة بعلبك” الرواية الأولى للكاتب أحمد شيبان وبالتأكيد لن تكون الأخيرة. يواصل أحمد تدربه على مستويات عالية في الكتابة الإبداعية ليعدنا بالمزيد من الدهشة والمتعة الأدبية. في هذه اللحظة يكفينا أن نقلّب الغلاف الأسود “لكندة بعلبك” لنغرق في ضوء الخيال المبدع ونطمئن أنّ الكتابة لا تزال بألف خير.

Whatsapp